Saturday, November 17, 2007

المعلومات .. والمعلوم بالضرورة!

عبثية الإحصائيات في مصر تذكرني بهوجة أفلام المخدرات في الثمانينيات من القرن المنصرف ، حيث يعرف الجميع- باستثناء البوليس - أن "سيناً" من الناس يتاجر في "الصنف".. ما علينا..


لكي تتبعوا الخط إلى نهايته .. ستجدون أن السبب يعود إلى الطريقة التي يتم بها تدريس الإحصاء.. دعكم من الإحصاء في الثانوية السامة ، ففي تلك الشهادة الملعونة تكاد لا تشعر بوجودها (علماً بالقول المأثور لوردة "يوووووه يووووه هوة فيه حد النهاردة بيفتكر") حيث يمكن الحصول على درجات نهائية فيها بأقل مجهود ممكن وبمساعدة محدودة من المسيو حصص "قاهر الرياضيات بكافة أشكالها وجايب درفها"!


ستتعامل مع الإحصاء بشكل أكثر توسعاً بمجرد دخولك كلية التجارة ، وهي التي تصنف كإحدى كليات "قعر الحلة" .. أسوة بكليات الحقوق والعلوم والآداب والتربية والزراعة (الله يرحمها ويحسن إليها)..


وستستعيد حتماً في تلك الكلية كل الذكريات الكئيبة التي تولدت لديك قبل دخول الجامعة عن تدريس أي مادة رياضية ، فتدريس الرياضيات بكافة أشكالها في نظام التعليم المصري هو وسيلة فعالة من وسائل التعذيب طويل الأمد ، حيث "تسرح بخيالك" مع مجموعة من الأرقام والعلاقات المتراصة بلا هدف واضح أو ضرورة حياتية .. ومن الممكن أن ترى ذلك حتى في المواد التي لا تتمتع بطابع رياضي صرف كالمحاسبة مثلاً!


المفروض.. أكرر : المفروض.. أن الإحصاء مثل المحاسبة .. كلاهما يعتمد على إجراء عمليات على البيانات الأولية لتحويلها إلى معلومات ذات فائدة .. المحاسبة تتعامل مع أرقام العمليات التي تقوم بها المنشأة لتحولها لمعلومات تعين على معرفة مركزها المالي وآفاق توسعها ومجابهة التهديدات المالية التي تواجهها.. كذلك الإحصاء الذي يعتمد على تحليل ومعالجة البيانات الأولية من عمليات المسح والإحصائيات إلى معلومات مفيدة لصانعي القرار.. هذا الكلام نعرفه .. ولكنا لا نراه في الممارسة والتطبيق..


وذلك يذكرني بقصة درسناها في التعليم الرابسوماتيكي قبل سنوات ، عن أحمد بن طولون الذي ترك ابنه جائعاً للغاية ذات يوم ، ولما أحس جوعه أمر خَدَمه فأتوه بطعام متواضع فأكل منه الابن بكل ما أوتي من قوة ، ثم أمرهم بن طولون بعد فترة بإعطائه طعاماً من أكل علية القوم فصُدَّت شهية الابن عنه.. وخلاصة القصة أن التركيز على صغائر الأمور يلهي الإنسان عن أكثرها أهمية.. وفي حالتنا هذه كل التركيز يوجه التركيز كل التركيز للبيانات لا المعلومات ، للمسائل لا لموضوعها..


فلكي تنجح ، "بحلق" في الأرقام والعلاقات ، ثم احفظ ثم "كربس".. حتى تنهي فترة إقامتك في "الأوبرج" على خير.. كبَّر دماغك الليلة دي معاك أنا.. حتشتغل إيه يعني لما حتتخرج؟ محاسب والعياذ بالله ، ولا إحصائي لا سمح الله؟


في البداية كان العبث متعلقاً بفكرة أن الخريج سيضمن وظيفة في القطاع الحكومي، حيث تسري أعراف الجهاز البيروقراطي العفنة ومن بينها "اربط الحمار مطرح ما يقول لك صاحبه" وبالتالي ستترسخ اللامبالاة لديه أكثر وأكثر.. أما الآن فتضاعف العبث خاصةً بعد أن أصبحت كليات التجارة-وغيرها- تخرج ألوفاً "لا" يعملون في مجالات دراستهم الأصلية..


لا تسألوني بعد ذلك عن إحصائيات المركز القومي للكباب والكفتة من عينة 250 مليون حالة زواج عرفي في مصر في السنة ، فالكل "مكبر دماغه" ومديها "كوتشي قديم".. كم معلومة يعني بنت مستشفيات أو مدارس أو أسهمت في تنوير الرأي العام دون تهويل أو تهوين؟ كام معلومة وصلت صاحب المال لقرار صحيح بخصوص ماله؟


لا تسألوني عن "مجتمع المعلومات" .. العبارة التي انضمت إلى أخواتها في سجل الرطانات السمجة.. فمن المعلوم بالضرورة أنه لا قيمة للمعلومات لدينا.. ولا نعرف معلوماً إلا ذلك الذي في العبارة التاريخية "قب بالمعلوم".. وسيظل الحال لدينا هكذا ما لم يتدارك النظام التعليمي ، ونحن معه ، هذه المصيبة قبل أن يفوت الأوان مثل كل مرة..عذراً للإطالة..

No comments: